الصالحي الشامي

75

سبل الهدى والرشاد

أرض الشام في أقل من لمح البصر . والأجسام متماثلة في تمام ماهياتها ، فلما حصل مثل هذه الحركة في حق بعض الأجسام وجب إمكان حصولها في سائر الأجسام ، فهي ممكنة والله تعالى قادر على حصولها في جسد النبي صلى الله عليه وسلم . والجواب عن الثاني : وهو خرق الأفلاك فليس بمحال وقد منعه النفاة للجنة والنار . قال الشيخ سعد الدين : ( ادعاء استحالة المعراج باطل ، لأنه إنما ينبنى على أصول الفلاسفة من امتناع الخرق والالتئام على السماوات ، وإلا فالخرق والالتئام على السماوات واقع عند أهل الحق ، والأجسام العلوية والسفلية متماثلة مركبة من الجواهر الفردة المتماثلة ، يصح على كل من الأجسام ما يصح على الاخر ضروة التماثل المذكور ، فإذا أمكن خرق الأجسام السفلية أمكن خرق الأجسام العلوية والله قادر على الممكنات كلها ، فهو قادر على خرق السماوات وقد ورد به السمع فيجب تصديقه ) . والجواب عن الثالث : فكما أنه يستبعد صعود الجسم الكثيف يستبعد نزول الجسم اللطيف الروحاني من العرش إلى مركز العالم . فإن كان القول بمعراج النبي صلى الله عليه وسلم في الليلة الواحدة ممتنعا كان القول بنزول جبريل عليه السلام من العرش إلى مكة في اللحظة الواحدة ممتنعا كذلك ، ولو حكمنا بهذا الامتناع كان ذلك طعنا في نبوة جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والقول بثبوت المعراج فرع على تسلم جواز أصل النبوة ، فيلزم القائل بامتناع حصول هذه الحركة امتناع نزول جبريل عليه السلام . ولما كان ذلك باطلا ، كان ما ذكروه باطلا . والجواب عن الرابع : إن في كونه ليلا فوائد منها : ليزداد الذين آمنوا إيمانا بالغيب ، ويفتتن الذين كفروا زيادة على فتنتهم ، وقد قال الله تعالى : ( وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس ) [ الاسراء : 60 ] ، ومنها أنه وقت الخلوة والاختصاص عرفا ، فإن بين جليس الملك نهارا وجليسه ليلا فرقا واضحا ، والخصوصية لليل ، ورحم الله من قال : الليل لي ولا حبائي أنادمهم * قد اصطفيتهم كي يسمعوا ويعوا وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بالعلامات التي تفيد اليقين من وصف بيت المقدس ووصف العير التي مر بها في طريقه ، وأنها تصل إليهم في وقت كذا ، فكان كما ذكر كما سيأتي مفصلا . ومع ذلك قالوا : ( هذا سحر مبين ) [ الأحقاف : 7 ] . فلا فرق بين أن يريهم ذلك نهارا وأن يخبرهم بخبر يفيد اليقين ، وقد أراهم انشقاق القمر فقالوا : هذا : ( سحر مستمر ) [ القمر : 4 ] .